27‏/09‏/2015

الكولونيل

جاري العقيد سمير الذي لم يشكل طوله الذي لا يتجاوز طوله 140 سم عائقاً أمام انتسابه للقوى الجوية بفضل جارهم الطيب الذكر فعلاً , المرحوم اللواء مهنا .


لم يخيب سمير ظن اللواء مهنا به , فقد أصبح من أقدر الطيارين السوريين على قيادة حوامات ميل هند 7 الروسية منذ كان ملازماً أول , وقد ترقى إلى أن أصبح نائب قائد السرب بمطار الضمير العسكري لكن هذا لم ييسر له اقتسام الجيب واظ مع ستة آخرين , كعادة القوى الجوية في هذه الحالات , فهناك على الدوام ضابط أصغر رتبة وأكثر دعماً يأخذ منه دوره بمناوبة الجيب واظ ولذا كانت بسكليت الكورس ( بلا رفافيف ) هي وسيلة تنقله الوحيدة في جبلة خلال الاجازات .


كانت براعة سمير بقيادة الحوامات تجعله مطلوباً بالاسم لقيادة حوامات الضباط القادة أثناء المشاريع الميدانية , فرفعت الأسد كان يطلبه بالاسم أيام مشاريع سرايا الدفاع , والأمر نفسه ينطبق على ابن حلة عاره , اللواء علي حيدر أثناء مشاريع الوحدات الخاصة .


حتى شفيق فياض وابراهيم الصافي كان لديهم مشاريع مدعمة بالحوامات و ... يطلبونه .


كان جميع الآلهة يحبونه ويطمئنون  إليه , ولكن لم يكلف أحدهم خاطره بأن يأمر له بدولاب جيب واظ ولا حتى تاترا أو أم كامل .


لا يتعدى الأمر معهم أكثر من عبارة : كيف حالك وَلَك ابن البلد , مرتاح بالخدمي ؟؟


وفي احدى المرات تأخر قليلاً عن موعد الكرنك للعودة إلى قطعته , فركب دراجة الكورس وهو يلبس بدلته الرسمية عله يلحق الباص في المحطة , وهنا أمسكت به الشرطة العسكرية.


شعره الحليق ع الصفر وطوله الذي لا يتناسب مع رتبة العقيد التي تلمع فوق كتفيه  وبسكليت الكورس التي زادت من سوريالية الموقف جعلت شوايا الشرطة العسكرية يوقفونه وينهالون عليه بالضرب بصفة انتحال رتبة ضابط أمير , وعندما أبرز لهم هويته العسكرية زادوا الضرب وهم يقولون : والله لنعمل ونترك فيك , مزور هوية ضابط كمان , وشدوا به موجوداً إلى فرع الشرطة العسكرية باللاذقية وهو يتورم من الضرب طيلة الطريق , وبعد أن ذاق الويلات من فروج ودولاب وبساط ريح وباقي الترحيبات المعهودة وصلت برقية إدارة شؤون الضباط بأن المذكور هو بالفعل أحد الضباط الطيارين في الجيش العقائدي ... اعتذر منه كاسر الضاهر رئيس الفرع شخصياً و .... حليق .


طلبه اللواء ابراهيم حويجة إلى آمرية الطيران لفهم ملابسات الحادث , وهناك طلب منه سمير إما سيارة واظ إسوة برفاق الطريق وإما نقله إلى مطار حميميم بجبلة , حيث لن يضطر إلى ركوب بسكليت الكورس مجدداً  للحاق بالكرنك .


ولما كانت السيارات المخصصة للطيارين مفروزة لزوجات وبنات وأبناء الضباط الكبار بالآمرية , فقد وجد ابراهيم حويجة أن نقل المذكور إلى مطار حميميم أقل كلفة من تخصيص سيارة له ... وبهذه الطريقة انتقل إلى جبلة .


استلم في المطار مهمة الدورية اليومية على المياه الاقليمية من منطقة الروس شمالاً , وصولاً إلى قويقات عند عرب الملك جنوباً .


وهكذا كان يجوب بحوامته يومياً بعيد العصر تلك المنطقة لحمايتها من العدو الغاشم .... حينها فقط أراد أن يتزوج ويؤسس بيتاً بعد طول شنشطة في كافة مطارات الجمهورية .


تقدم لخطبة كوكب الفاتنة , ابنة حارتنا التي قبلت به كونه ضابطاً قد الدنيا .


وهكذا أصبح بعد الخطبة يمر يومياً من فوق بيت كوكب لتحيتها أثناء عودته من الدورية .


كانت نساء وصبايا الحارة يصعدن للسطوح يومياً لمشاهدة خطيب كوكب وهو قادم نحوهم لتحيتها , وعندما تمر الحوامة يبدأ التصفيق والزغاليط , ولكن ... وعلى الدوام في مثل هذه الحالات هناك كثير من المشككين ومنهم أم وليد التي ادعت أن القادم ليس سمير بل أي طيار , وأن خط سير الحوامة تصادف أن يمر فوق البيوت , خصوصاً وأن الحوامة بعيدة وتبدو كنقطة في السماء , وإذا كان هذا سمير حقاً فليطر فوق البيوت على ارتفاع منخفض يجعلهم يميزونه .. وهذا ما طلبته كوكب من سمير عندما أتى لزيارتهم ليلاً .


ومن مبدأ ( غالي والطلب رخيص ) انخفض سمير بحوامته في اليوم التالي حتى كاد يلامس أنتينات الأسطح , وهدير الحوامة كاد أن يصيب الناس بالطرش 


ولعل سمير تناسى أن كل الحارة كشيشة حمام , وهكذا فعندما اقترب من سطح خطيبته دخل ثلاثة أرباع حمام الحارة في محرك الحوامة التي بدأت بالتلوي وبدأت وكأنها ستسقط فوق رؤوس الجميع .


براعة سمير أنقذت الحارة من كارثة , فقد انطلق بالحوامة المتلوّية نحو المطار , لكنها لم تصل إلى هناك , بل أنزلها اضطرارياً في حقل مجاور له .


نام الطيار العاشق عاماً كاملاً في تدمر , ثم جاء تسريحه دون أي مستحقات .. وفي هذه الأثناء فسخت كوكب خطوبتها عنه وتزوجت لطرطوس بينما عاد هو للتسكع على بسكليت الكورس .

07‏/09‏/2015

جبلة الأدهمية

لعل جبلة القديمة هى أكبر مدينة منتجة لأبطال السباحة في العالم
بدأت الرحلة مع البطولات العالمية في أواخر الخمسينات مع الأسطورة محمد زيتون الذي حاز بطولة كابري - نابولي والمانش بأرقام مذهلة لعدة سنوات , ولم يلبث أن تلاه الأخوان صالح ( مروان وماهر ) ثم أحمد الحسين الذين رسخوا مكانة جبلة في البطولات العالمية وحطموا أرقاماً لا يزال بعضها مسجلاً بأسمائهم , ناهيكم عن عشرات الأسماء التي حققت الفوز في بطولات محدودة ( كبطولات العرب والمتوسط والنيل الخ ... )
السمة الغريبة في هذه البطولات هو افتقار جبلة طيلة تاريخها لمسبح للتدريب .
كانت جميع التدريبات اليومية تتم في البحر المفتوح ( من الميناء الفينيقي إلى الروس ثم العودة ) حيث تبلغ المسافة 18 كم تقريباً , وكنا نرافق السباحين يومياً لاظهار مهاراتنا أمامهم , وعندما نتعب نصعد إلى الفلوكة المرافقة لنرتاح قليلاً ثم نعود إلى البحر .
وكانت متعتنا الأكبر في تدريبات الجر , فمن أهم تدريبات السباح الجبلاوي المحترف ربط حبل بخصره ليجر أحد المراكب لعدة كيلومترات في البحر المفتوح , وعندما تسنح لنا الفرصة للركوب في أحد هذه المراكب كنا نشعر بالفخر على أصدقائنا الذين لم يحالفهم الحظ .
وكنا أيام سباقات جبلة - اللاذقية ( حوالي 30 كم ) نستمتع بالسباحة لعدة كيلومترات مع الأبطال العالميين قبل أن ننسحب إلى أحد الزوارق المرافقة لنستمتع بالطعام الشهي المعد مسبقاً والمخصص للمحترفين المشاركين وليس لنا , وكنا نختار الانسحاب إلى الزورق الموجود به عبد اللطيف أبو هيف أكثر الأبطال المشهورين تواضعاً وطيبةً , والأب الروحي لجميع السباحين المصريين , فقد كان يدلل سباحيه بأشهى الأطعمة , وكان يصرخ علينا : متخلّو حاجة للسباحين بتوعنا يا واد .
الأهم من هذا كله أنني وجدت نفسي من أسبوعين في مجموعة خاصة بإرشاد البشرللعبور من بودروم إلى كوس في اليونان.
كانت المحاذير والارشادات تزيد عن المسافة الفعلية بين النقطتين , وعندما علمت أن المسافة بينهما لا تزيد عن 4 كيلومترات وتتطلب دفع 1500 دولار للمهرب قلت لنفسي : من هو المجنون الذي يدفع 1500 دولار مقابل 4 كم في قارب مهترئ , ونحن في البلد نسبح ثلاث أضعاف هذه المسافة على الأقل لمجرد قول أحدنا : مشوا نتسبّح
إن السباح المحترف يقطع هذه المسافة بأقل من ساعة أما الهاوي المكحكح متلنا فيحتاج لحوالي ساعة ونصف , وربما ساعتين بوجود التيارات .
وهكذا عندما اقترحتُ على الشباب القادر على السباحة بعض التدريب في التيار لقطع المسافة سباحة توفيراً للمال حسبوني معتوهاً وحدثوني عن حالة نادرة نشرتها الصحف العالمية عن سوري نجح بقطع المسافة سباحةً
أي حالة نادرة يا ناس
تعالوا ع مكسر جبلة بعد العصر وشوفوا البشر , قال حالة نادرة قال .

02‏/09‏/2015

القسمة والنصيب

جاري سكسيك سافر إلى أمريكا منذ سنين بفيزا سياحية , وكان عليه تأمين عروس تقبل به قبل انتهاء مدة الفيزا
برم كل واشنطن دي سي ليلاقي بنت حلال ما مشي الحال , وبمعية أحد الجبلاويين تم إعداد مشروع أولي لتأمين عروس من سان فرنسيسكو , ولمن يجهل خارطة العم سام فإن المسافة بين واشنطن وسان فرنسيسكو تعادل تقريباً المسافة بين جبلة وواشنطن

ومع ذلك فكل المشاق في سبيل العروس تهون .
قطع الزلمة تيكت بقطار مأنتك بيقعد حوالي اسبوعين على الطريق , وبعد يومين أصبح كل القطار يعرفه ومن ضمنهم كريستينا
كريستينا مزارعة ثلاثينية ممتلئة , ليست خارقة الجمال لكنها ممتلئة بالحيوية والصحة وع القطعة بتسد وما بتشكي من شي , وإلى حد ما مقرشة
وبلغة الاشارة , وبالخمسين كلمة التي يعرفها سكسيك من الانجليزية فهمت القصة , ويبدو أنها تبحث عن عريس لا يدقق كثيراً بالشكل العام والتضاريس الدهنية , وهكذا فقد عرضت عليه الزواج , خصوصاً وأن لديها بيت صغير ومزرعة لابأس بها في احدى قرى كولورادو .
رفض سكسيك بحزم , فحظه مع مارلين مونرو ينتظره في سان فرنسيسكو , ويبدو أنه جرح مشاعر كريستينا فلم يأخذ اسمها الكامل ولا عنوانها , وهكذا عندما نزلت في احدى محطات منتصف الطريق دون أن تودعه أضاعها إلى الأبد .
تابع المغضوب سفره ليصل بعد نصف شهر إلى وجهته , وهناك اكتشف منذ اليوم الأول أن كلام ابن مدينته تفنيص بتفنيص , فلا عروس ولا هم يحزنون .
كسر سكسيك الفيزا , وبقى عشرين عاماً يعمل بشكل غير نظامي في غسيل الصحون ومسح الزجاج وهو ملاحق من دائرة الهجرة حتى أتت الثورة السورية التي كانت خير وبركة عليه عندما وافق الأمريكان أخيراً على منحه حق اللجوء .

28‏/08‏/2015

هجرة

من كام سنة كان بشار ورامي واللواء شاليش راكبين سيارة ع قصر الروضة , وبآخر أبو رمانة كان واقف صف طويل من البشر يمتد لغاية نهر عيشة
صرخ الرئيس على شاليش : وَلَك ذو الهمة , من ايمتين فتحوا فرن بأبو رمانة !!!
رد شاليش : هاد مو فرن سيدي , هون السفارة الأمريكية والناس عم تقدم هجرة .
- وشو بيستفادوا وَلَك ذو الهمي
- بيت وسيارة ونسوان بيض شقر , وكل شهر حوالي 3000 دولار بوكيت موني
- ولشو قاعدين لكن , قوموا تنقدم هجرة نحنا كمان
نزل الثلاثة وصفّوا ع الدور , وخلال دقيقتين لم يبقَ أحد في الشارع
استغربوا من الأمر , فسألوا السائق :
- شو القصة وَلَك بو سكندر , وين راحت البشر !!
- سيدي قال إذا انتو رايحين هنن ليش ليروحوا .

23‏/08‏/2015

راسبوتين

جاري الأكتع الأحدب الأعمى اللوطى غاب سنتين عن البلد ثم عاد فقيهاً يفتي لنساء الحارة بشروط الغسل عند التقاء الختانين والحيض والجماع واللزي منو .

قلة من العوانس نجون من نفس الشيخ الخضراء وقضيبه الضخم الذي ينوس في جلابيتة المخططة كقدم ثالثة .

الشيخ الجليل كان يستدبر مؤخرات أولاد الحارة السمان بنفس الأريحية التي يستقبل بها فروج شقيقاتهم .

كنت طفلاً نحيلاً ذا مؤخرة ضامرة ساهمت بنجاتي من قضيب الشيخ , ولولا هذا لاخترقني الوتد كما اخترق غيري .

أخطأ الشيخ خطئاً قاتلاً عندما قرر إعطاء درسٍ مجانيٍّ بالتجويد لابن مدير المنطقة كان آخر دروسه , فقد حل ضيفاً عزيزاً على سجن المنطقة أولاً ثم سجن المحافظة .

في تلك الفترة كانت محطة إذاعية معارضة تبث من مكان ما .
بثت المحطة الخبر , كاد المذيع يبكي من التأثر وهو يقول بصوت متهدج : النظام النصيري الكافر يعتقل فضيلة الشيخ العلامة فلان أثناء دروس القرآن .

عندما أفقت ووجدت نفسي في سويسرا

..
بعد تخرجي من الجامعة حصلت على قبولين للدراسات العليا ( كله قبل البسطة الله يعزّا ) واحد من فرنسا يتطلب دعمه بكورس لغة أرسله لي وقتها صديق لي كان يقيم هناك , والثاني من بلاد العم سام , وكلفني حينها سبعة الآف ليرة عداً ونقداً , دفعتها صاغراً لمكتب مدام حلو بـ ( أبو رمانة ) .
قررت لأسباب عاطفية نابعة من قصص باردليان والفرسان الثلاثة اختيار أوروبا العجوز
وجهزت أموري للسفر براً , فيزا الترانزيت لليونان ويوغسلافيا وايطاليا من أسهل ما يكون اذا كانت الفيزا الفرنسية موجودة , لكن عليك السير بالإجراءات بالمقلوب , أي تحصل على الفيزا الايطالية استناداً للفرنسية , واليوغسلافية بناءاً على الايطالية , واليونانية بموجب اليوغسلافية وهكذا .
شددت الرحال بعد إكمال المعاملات الورقية باتجاه اسطنبول التي اعرفها كجبلة وأكثر .
ومن محطة السيركجي قطعت كرت قطار على الخط الدولي صالح لثلاثة أشهر .
لم أدقق كثيراً بالمدن التي يسلكها القطار , كانت وجهتنا سالونيك ثم بلغراد ثم كوبر ثم فينيسيا ثم ( لويزيانا ) ثم ( جنوا ) ثم محطة غار دو ليون بباريس .
لا يسألني أحد عن لويزيانا وجنوا , هكذا قرأتها نظراً لاعتيادي على التركية التي يتم لفظ جميع الحروف بها باستثناء حرف الغين .
كيف لابن الثانية والعشرين , والجاهل بالجغرافيا واللغة الفرنسية أن يعرف أن لويزيانا التي قرأتها هى لوزان السويسرية , وأن جنوا التي قرأت هى جنيف التي تُكتب ( جنيفا ) .
استغرق وصولي الى لوزان حوالي شهر ونصف , كنت في كل مدينة جديدة أحمل حقائبي وأرميها في غرفة الأمانات بمحطة القطار ثم أذهب لأذوب في قاع المدينة يومين أو ثلاثة , ثم أعاود حجز مقعد ركوب جديد بناءاً على الكرت الأساسي الصالح للانتقال لمدة ثلاثة أشهر كما أسلفت .
كنت أمقت ايطاليا لأسباب عديدة أقلها عنصرية رجال الحدود الطليان في التعامل مع العربان , وهكذا .. وبعد خناقة مطنطنة مع رجال الحدود الطليان شتمت فيها بالعربية والتركية والانجليزية , وشتموني هم بالايطالية .. ولما كانوا يجهلون اللغات التي أتحدث بها وأجهل أنا لغتهم المقيتة فقد مرت الحادثة بسلام وأدخلوني بلدهم العظيم .
نزلت في ساحة سان ماركو في فينيسيا حيث تسكعت قليلاً , كانت رائحة المجاري تملئ الجو .. هل هذه هى المدينة الرائعة التي صرعونا بها .. كانت قصورها المتهالكة الآيلة للسقوط تسبح في قنوات المياه الآسنة وتسبب الغثيان ..
لم أستطع البقاء لأكثر من ساعتين في أجمل مدن العالم , ثم عدت إلى محطة القطار لأحجز بأول قطار يغادر هذه المدينة – الكارثة .
وبالفعل , ركبت في أول رحلة , كان المسافرون الطليان لطيفين بعكس الجندرما خاصتهم .
قضيت الطريق بالثرثرة مع فتاة بعمري ولا أزال أذكر كيف سألتها عن معنى ( لا شاتي مي كانتاري ) فقد كانت الأغنية الأشهر في جبلة بذلك الوقت .
ولما كنت مرهقاً فقد نمت , وعند الثانية ليلاً كان حرس الحدود يتنقل بين عربات القطار وهو يقرع بجرس أشبه بجرس المدارس ببلادنا , وينادي : Passport , Passport
نهضت من نومي متثاقلاً وأنا أقول لنفسي : ها هو جندرما آخر لختم الخروج من بلدهم المأنتك .
رميت جواز السفر بوجهه وبقايا النعاس في عيني .. أمسكه بابتسامة و أخذ يقلب به لأكثر من دقيقة , ثم دمدم ببعض الجمل بالفرنسية التي لم أكن اعرف منها حرفاً حينها .
رددت بالانجليزية : لم أفهم , هل يمكنك تفسير ما قلته بالانجليزية لو سمحت .
رد بانجليزية سليمة جداً : عفواً يا سيدي , لكنك لا تمتلك فيزا دخول لسويسرا .
طرت من مقعدي حوالي نصف متر وأنا أقول: سويسرا , شو جابني ع سويسرا .
سرعان ما تمالكت نفسي وقلت : أنا طالب دراسات عليا جديد في باريس , ونتيجة سوء فهم لخط سير الرحلة وجدت نفسي هنا , وكان علي أن أعبر الألب من الجهة الجنوبية مباشرة دون المرور ببلدكم , ولا أدري ما القانون في حالة كهذه .
اعتذر بشدة ودبلج موشحات بالاعتذار وهو يكاد يبكي من شدة التأثر , فقلت لنفسي " سيرفض " لأكتشف أن سبب غصته هو ضرورة تغريمي بعشرين فرنك سويسري ( 13 دولار ) كي يعطيني سمة دخول خاصة لبلده تتيح لي مواصلة سفري , وهذه الغرامة المؤلمة سببها أنني لم أراجع سفارة بلده في بلدي للحصول على الفيزا المطلوبة .
قلت ببالي : كفكف دموعك يا عزيزي , فيزا بلدكم تباع في بلدي بخمسة الآف دولار , فما كتير رح توقف معي ع 13 دولار .
أعطيته 15 دولاراً من منطلق " خلي الباقي عشانك " فاعتذر لعدم وجود دولارين معيداً لي جواز سفري مختوماً بدخول خاص و ... ثلاث فرنكات سويسرية ونصف لا تزال معي بعد كل هذه السنين .
وصلت جنيف , فقلت لنفسي " اجت والله جابها " , حملت حقائبي ونزلت من القطار مودعاً الحقائب في خزانة الأمانات بالمحطة ثم انطلقت بسياحة مجانية استمرت أسبوعاً بالتمام والكمال قبل أن أتابع سفري لباريس .
.
كانت أوروبا قبل نشوء الأسلامو- فوبيا بساط أحمدي بكل معنى الكلمة .
.

أحمد العراقي

..
في أحد أيام شباط 2001 كنت عائداً لمنزلي في مينسك والساعة قد شارفت الواحدة ليلاً
البرد ينخر العظام , والحرارة تجاوزت الثلاثين تحت الصفر .
أقمت هناك مجبراً , ففي جامعة مينسك الرئيسية ( BGU ) كنت أحضر رسالة دكتوراه خاصة ببسطة الخيار .
.
دخلت في ردهة المبنى الخافت الإضاءة وأنا أدمدم بأغنية عربية دارجة تلك الأيام , ليطالعني من تحت الدرج شبح ملتف ببطانية وهو يقول : السلام عليكم .
- خير أبو الشباب , بربي قطعت قلبي خوف .
- كل خير خوي , أنا احمد من العراق , ومقطوع هنا , ومد يده المرتعشة نحوي بما يشبه جواز السفر , فاتحاً سيرة عنتر لا تنتهي من الجمل المتلاحقة كرشاش , بلهجة عراقية أليفة عجزت عن فهم معظم مفرداتها .
كان يريد أن يروي أكبر كم من حكايته قبل أن أدير ظهري .
- هون بدك تحكي سيرة أبو زيد الهلالي .. تفضل خيو , واحكي فوق .
..
وفي المنزل فهمت قصته : كان مهربو البشر قد أحضروه إلى موسكو وقالوا أنهم سيأخذونه إلى ألمانيا عن طريق بولونيا , ولما كان الطريق بين روسيا وبولونيا يمر بروسيا البيضاء فقد حجزوا له في قطار موسكو - مينسك بعد أن قبضوا منه 5000 دولار أمريكي عدّاً ونقداً وأخبروه أن مندوبهم سينتظره في محطة القطار بمينسك ليشد به إلى بولونيا ومنها إلى أرض الميعاد .
وهاد وش الضيف .. انتظر ساعة , ساعتين .. عشرة ولم يأتِ أحد .
عمال المحطة الذين يرطنون ببعض الانجليزية فهموا قصته , ولما كان البيت الذي استأجرته أنا يعود لأحد حمّالي المحطة , فقد تبرع صاحب البيت بإيصاله إلى العربي الوحيد الذي يعرفه في مينسك وهو أنا .
والذي فهمته لاحقاً أنه أتى به منذ الساعة العاشرة , ولما لم أكن موجوداً فقد تركه ومضى .
كان الصدق يلوح منه , ولو كان الوقت صيفاً فلربما أعطيته بعض الروبلات وقلت له حليق .
شتاء مينسك من أشد الشتاءات قساوة في الكون , وتركه يرحل في هكذا جو يعني حكماً بالاعدام برداً على الرجل .
..
بيتي هناك بيت عزّابي بامتياز , عبارة عن غرفة نوم ومطبخ وحمام وغرفة جلوس كبيرة نسبياً , مساحة البيت كلها حوالي الخمسين متراً , وبهذا يمكنه البقاء في الصالون دون التعدي على خصوصيتي .
أخذت جواز سفره وقلبته , كانت تفاصيل حكايته تتطابق مع أختام الجواز , فقد خرج من العراق إلى إيران ومنها إلى موسكو ثم مينسك .
أريته المطبخ والحمام .
في الصالون كنبه كبيرة أشبه بسرير , أعطيته بعض المناشف وبيجاما وغطاء ومخدة و... دخلت غرفتي .
لم يأتني النوم , بدأت الهواجس تنتابني بعد أن زالت أريحية الخير مني .
ماذا لو كان يخفي سكيناً ودخل علي لذبحي وأنا في سابع نومة , لعله سيستعمل المخدة لخنقي وأنا في عالم الأحلام .
تحول وجهة الطيب إلى شيطان ..
قمت إلى الباب وقفلته بالمفتاح وعدت إلى السرير .
تذكرت وجود ( مخل ) في المطبخ لازالة الجليد عن الشبابيك وباب البلكونة اليتيمة .
ماذا لو استعمله لخلع الباب ... يمكن لهذا ( المخل ) أن يخلع عشرة أبواب بثوان .
قمت من جديد , وجررت السرير , ودعمت الباب به , لم تعجبني قوته فجررت الخزانة لدعم السرير .
أخذت أستعيد فتاوى متطرفي الشيعة في إباحة دماء النواصب .
أحمد شيعي متدين كما بدا , ولا بد أنه تشّرب في قم بهذه الفتاوى , ثم ..... أتاني الكرى .
نمت نومة مشحونة بالكوابيس , فقد اجتمع علي جميع شيعة كربلاء والنجف وقم وجبل عامل وهم يحملون السواطير ويجرون خلفي , وأنا أهرب منهم بكل قواي ولا أتحرك من مكاني .
.
أفقت من نومي لأجد شمس مينسك الباردة قد قاربت الظهيرة .
جررت الخزانة والسرير , وفتحت الباب بحذر , لأجد أحمد يشرب القهوة في الصالون , كان وجهه الطيب هو هو .. سخرت من مخاوفي وجلسنا ندردش .
كان أحمد طيباً جداً , وطباخاً ماهراً وحلاقاً ممتازاً , كما أنه ذكي وصاحب نكتة , وهكذا فقد أقام في بيتي لأربعة أشهر .. وقد أحبه أصدقائي البيلاروس الذين قدمته لهم كطالب دراسات عليا في ألمانيا , ما الذي يمكن قوله غير هذا في بلد ممانع يحكمه السيد لوكوشينكو ولا يرغب أحد هناك بسماع قصص اللجوء .
عاد أحمد إلى طهران بعد أن قام أصدقائي المتنفذون بتسوية وضع إقامته غير الشرعية في بيلاروسيا , ثم انقطعت أخباره عني نهائياً .

الأفارقة مرةً أُخرى

.
كنت أسكن في ضاحية سان ريمي لوشيفروز في أقصى باريس من جهة مطار أورلي وصديق عزيز لي يسكن في ( أنغان ) في الجهة الأخرى ويتطلب الوصول إليه تبديل كذا مترو .

عندما زرته في أنغان للمرة الأولى للأحتفال بطلاقه من زوجته الفرنسية كانت خارطة باريس بجيبي , وفي محطة ( دونفير روشو ) كان علي التبديل للمرة الأولى

الزحام والأرتباك فوتوني بألف حيط .
بحثت عن الزر الخاص بأنغان فوجدته في زاوية خجولة .

ضغطته فكتبت لي الشاشة المبلغ الذي علي دفعه , أسقطته في حصالة النقود وانتظرت لثوان فأخرجت الحصالة كرت ركوب المترو , أخذته ومضيت بإتجاه رقم المترو المحدد لي .

اخترت زاوية قصية في الزحام وأنا أنظر للركاب ساهماً في أحلام يقظتي .

قطع المترو المحطة الأولى ثم الثانية , وعند المحطة الثالثة كان الكونترول يفتش بطاقات ركوب المسافرين .

أعطيته بطاقتي بصمت , توقف طويلاً بها ثم قال : هل لك بإعطائي كرت المعاقين خاصتك من فضلك .

- أي كرت معاقين يا رجل , والحمد لله على نِعَمِه , فها أنا ذا أمامك صحيح معافى .

- لكن كرت الركوب خاصتك يقول أنك معاق , وبهذا حصلت على خصم قدره 50 % من ثمن التذكرة .

يا ربي على هالمصيبة .

يا رجل , هذه المرة الأولى التي أركب فيها هذا المترو , ولا أعلم أسعار الركوب من الدونفير إلى أُنغان , وقد دفعت بالضبط ما طلبته آلة المحاسبة بشكل آلي أكثر من الآلة نفسها دون تدقيق .. ازرعها بهالدقن هالمرة وفكنا .

في فرنسا ما في أزرعها بهالدقن واهلين أبو الشباب , وهكذا أصر المفتش على تغريمي بمئة وخمسين فرنكاً لركوبي المترو بشكل نصف شرعي .

انقسم الركاب الفضوليون إلى نصفين , منهم من أيد موقفي طالباً من المفتش الرحمة بي , ومنهم من طالب بإنزال أقصى العقوبة .. بل إن أحد اليمينيين من شلة لوبان طلب ارسال أوراقي إلى فضيلة المفتي .

وهنا أنبرى إفريقي شاب للدفاع عني أحسن من اي محام في الكون , توجه بسيل الشتائم إلى اليميني المتطرف أولاً ثم تابع الموشح بحق المفتش متهماً إياه بالعنصرية .

ولأكثر من عشر دقائق , بقي يردح لهم ولميتيران بكل ما أوتى من فصاحة فاقت هوجو وبودلير وفولتير .

تحدث عن العقد الإجتماعي والثورة الفرنسية ومقولات العدل والمساواة واصفاً إياها بأكبر كذبة في تاريخ البشرية .

لكن كل هذا لم يؤثر قيد أنملة بالمفتش الصارم الذي رد بالقول : كل ما ذكرته صحيح , لكنه لن يعفي هذا السيد من الجزية .

دفعتُ صاغراً وأنا أذكر شهامة باردليان , فقد كان المترو في تلك اللحظة يعبر منطقة مونمارتر الشهيرة حيث خاض المغفور له أجمل مغامراته مع فوستا والدوق دي كيز .

عدت إلى احلامي وقد تناسيت قسوة المؤامرة , فالطريق إلى أنغان ما يزال بعيداً .

في هذه الأثناء كان الأفريقي يقوم بجولة في المترو , ويقف عند كل أفريقي في الكبين مشيراً إلي ويتمتم معه هامساً , فيناوله ذاك شيئاً يضعه في جيبه .

لم يعنني الموضوع كثيراً , فمؤامرات فوستا ودي كيز غطت في خيالي السابح على كل ما عداها ...
بقيت أسامر يقظتي حتى توقف المترو في أُنغان .

نزلت من المترو واتجهت نحو الدرج بهدوء وحكمة الفيلسوف , وإذا بالأفريقي يجري ورائي وهو يناديني .
توقفت واستدرت نحوه فناولني شيئاً في يدي ثم فر هارباً .

فتحت يدي لأجد بها حوالي 1000 فرنك فرنسي من مختلف الفئات .. لقد كان الأفريقي يجمع لي النقود من زملائه لمساعدتي على مواجهة عنصرية مفتشي المترو الفرنسيين .
..
أعرفتم الآن لماذا أحب أفريقيا السوداء .

نيالك يا فاعل الخير

أعشق أفريقيا السوداء وأحب أهلها لجزئيتين حصلتا معي في شتاء 1987 بباريس , وسأحدثكم الآن عن إحداها .
...

في محطة مترو Montparnasse بقلب العاصمة كنت أتواجد على الدوام للانطلاق إلى مكان سكني .

في المحطة آلة ميكانيكية لبيع شوكولا TOBLERONE التي أحبها أكثر من أي شيء آخر , ولذا كنت أشتري على الدوام منها قطعة بالحجم العائلي ( أم العشر فرنكات ) لاسكات جوعي بعد دوام مرهق وطويل في مركز بحوث جامعة ORSAY .

في إحدى المرات , وعند العاشرة ليلاً , شاء سوء حظي أن تلتهم الآلة مبلغ العشر فرنكات دون أن تُسقط قطعة الشوكولا .

كان أفريقي شاب يراقبني من بعيد عندما ضربت مكان ايداع النقود بيدي , حينها بدأت الآلة تصدر صوت أشبه بصفارات انذار الحروب , وبلحظة أُتخم المكان برجال الشرطة الذين أمسكوا بي وبطحوني أرضاً كأي لص آخر في الكون .

كنت حينها أعرف من مفردات اللغة ما يكفي للمجاملات إضافة لكم وافر من المصطلحات العلمية البحتة التي لا أظنها تفيد كثيراً في هكذا حالات .

كان الأفريقي يجيد الفرنسية أحسن من أي باريسي , فهو كما يبدو من بلدان المستعمرات الناطقة بالفرنسية , وهكذا انهال على رجال الشرطة بالشتائم شارحاً لهم الموضوع , وبأنه شاهدني أضع النقود بالآلة .

خفف رجال الشرطة من سوء معاملتهم لي , طالبين من الأفريقي القدوم معي للترجمة .

خرجنا إلى الشارع حيث تتواجد سيارة مصفحة أشبه بغرفة عمليات كاملة .

طلبوا إقامتي وتحدثوا في الجهاز مع أحدهم .

إقامتي نظامية , وأنا على كفالة أهم مركز أبحاث في أوروبا, كما أن آلة بيع الشوكولا تشكو من أعطال ميكانيكية وعدة بلاغات عن سوء أدائها , فاعتذروا مني وأعطوني رقم هاتف لتقديم شكوى رسمية عن الشركة , مع اسم رئيس الدورية التي اعتقلتني , ليشهد معي على صحة الشكوى , وبكل دماثة طلبوا مني الرحيل ثم نظروا إلى فاعل الخير الأفريقي قائلين : وأنت يا معلاق , شرف طلعلنا بإقامتك .

كان الأفريقي الطيب لا يملك إقامة نظامية , ولا أدري مالذي قاله لهم , فأمسكوا به ووضعوه في المصفحة نفسها التي كان عليها أن تستضيفني لولاه و شدّوا به .

شعرت بالحزن الشديد على هذا الانسان الرائع الذي لا أعرف اسمه ولا الذي حصل معه لاحقاً .
وبعينين كسيرتين عدت أدراجي إلى المحطة

الجهاد

صديقي عبد الواحد العاطل عن العمل مثقف هادئ غريب الأطوار ، اتاني مرة عند الثالثة صباحاً وهو يقول: قوم ، قوم .. بدنا نطلع ع فلسطين .

" شو عم يقول هالزلمة يا ربي " تمتمت والنوم بعيني وانا ادعوه للدخول .

- شو القصة؟!!!

رد بحماسة: بدنا نطلع جنوب لبنان ناخد خمسة طن حشيش ونشد ع حيفا نبيعهم ، وهكذا نربح ونفسد اخلاق الشباب الاسرائيلي ، وهذا افضل أنواع الجهاد .

- كيف يا زلمة ، ومن وين الحشيش ومن وين بدنا ندفع حقه واجار الطريق ما معنا .

- شو بدك انت ، كل شي جاهز وبخدمتنا .

- وكيف بدنا نوصل ع حيفا .

- قارب بمحرك ( ينمر ) بيطيّر العقل 

- بتكشفنا الرادارات اللي عم تراقب دبيب النملة

- قارب مطاطي اذن ، نجدف فيه حتى سواحل حيفا 

- نفس الشي ، بيكشفونا ، بعدين انت ما قادر تطلع طابقين الا ترتاح اربع مرات ، بدك تجدف لحيفا .

- قبل ما نوصل حيفا بعشرة كيلو متر منرمي حالنا بالبحر ومنقطع المسافة سباحة .

- بس انت ما بتعرف تسبح .

- بدك تضل يا زلمة مسكّرا بوشّي .

.